خطبة الجمعة .. خطورة اللسان في الفتن والمحن

خطورة اللسان في الفتن والمحن

لفضيلة الشيخ عدنان بن عبد الله القطان

24 جمادى الأولى 1445 هـ – 8 ديسمبر 2023 م

——————————————————————————–

الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وزينه بالعقل وشرفه بالإيمان، وميّزه بالعقل واللسان، عن سائر الحيوان، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمرنا بالخير والإحسان، ونهانا عن الفسوق والعصيان، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبعوث بالحجة البالغة وحسن البيان، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

أمّا بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)

معاشر المسلمين: لقد ميّز الله تعالى بني آدم عن سائرِ المخلوقات بنعمة اللسان، وبه تفضّل عليهم، يقول الله جل وعلا: (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًاً وَشَفَتَيْنِ) ويقول تعالى: (الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) أي يبين عما في نفسه بلسانه، فبهذا اللسان ينطق الإنسان بكلمة التوحيد: (لا إله إلا الله)، خير قولٍ وأفضله، يقول صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بِضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله) وباللسان يتعارف الناس على بعضهم البعض، وعن طريق اللسان يتعلم الناس العلوم الشرعية، والعلوم الدنيوية، وعن طريق اللسان يعرف الحق من الباطل، والصحيح من الخطأ، والصدق من الكذب، والأمانة من الخيانة؛ وباللسان يؤمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويقال الحق، ويُعبَد الله بتلاوة كتابه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ وباللسان يُعرف الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، والمسلم من الكافر، والبر من الفاجر، والتقي من الشقي.

باللسان عباد الله يبلغ الفرد المنازل العالية في قلوب الخلق، وبه أيضاً يكتب عليه السخط في قلوبهم إلى يوم القيامة، وباللسان يبلغ العبد الدرجات العلى عند الله، وبه يسقط في دركات النار، وسخط الجبار، يقول صلى الله عليه وسلم: إنَّ العبد لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعالى، ما كَانَ يَظُن أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ؛ يَكْتُبُ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إلى يَوْمِ يَلْقاهُ، وَإِنَّ العبد لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى ما كانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ؛ يَكْتُبُ اللَّهُ تَعالى بِها سَخَطَهُ إلى يَوْمِ يَلْقَاهُ) إن اللسان ترجمان القلوب والأفكار، وهو آلة البيان وطريق الخطاب، له في الخير مجال كبير، وله في الشر باع طويل، فمَن استعمله للحكمة والقول النافع، وقضاء الحوائج، وقيده بلجام الشرع، فقد أقر بالنعمة، ووضع الشيء في موضعه، وهو بالنجاة جدير؛ ومن أطلق لسانه وأهمله سلك به الشيطان كل طريق… لذلك فقد دعا الإسلام إلى حفظ اللسان واستعماله في الخير، وحذر من الغفلة عن هذا العضو الصغير في جسد الإنسان والذي قد يكون سبباً في سعادته أو سبباً في تعاسته في الدنيا والآخرة، فقد صح في الحديث عَنْ ‏مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ‏ رضي الله عنه ‏قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْماً قَرِيباً مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه! أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّة،َ وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ. قَالَ: ‏‏لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ،‏ ‏وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ‏ ‏الْبَيْتَ. ‏ثُمَّ قَالَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ  ‏جُنَّةٌ، ‏وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ المرء مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ. قَالَ ثُمَّ تَلا: (‏تَتَجَافَى ‏ ‏جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ)‏ ‏حَتَّى بَلَغَ ‏ (‏يَعْمَلُونَ)‏‏، ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَعَمُودِهِ، ‏ ‏وَذِرْوَةِ ‏سَنَامِهِ؟ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ،‏ ‏وَذِرْوَةُ ‏سَنَامِهِ الْجِهَادُ. ثُمَّ قَالَ أَلا أُخْبِرُكَ ‏ ‏بِمَلاكِ ‏ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ. فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ: وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ. فَقَالَ‏ ‏ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ‏ ‏يَا ‏مُعَاذُ! ‏ ‏وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟) وعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ قَالَ: (قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ) قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا.

وأكثر المعاصي عباد الله إنما يولدها فضول الكلام والنظر، وهما أوسع مداخل الشيطان، فإن جارحتيهما لا يملآن ولا يسأمان بخلاف شهوة البطن، فإنه إذا امتلأ لم يبق فيه إرادة للطعام، وأما العين واللسان فلو تركا لم يفترا من النظر والكلام، فجنايتهما متسعة الأطراف، كثيرة الشغب عظيمة الآفات. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا)

أيها المؤمنون: عند الفتن وحدوث المصائب والأزمات، وظهور المشاكل والحروب والصراعات والاختلافات بين الناس ينبغي للمسلم أن يكون أكثر حرصاً على ما ينطق به لسانه، فلا يقول إلا خيراً، ولا يأمر إلا بمعروف، ولا ينهى إلا عن منكر، ولا يكون كلامه سبباً في تأجيج الصراعات والخلافات، وتصنيف الناس، والخوض في الأعراض بالغيبة والنميمة، ولا ينبغي للمسلم أن يكون كلامه سبباً في إيغار الصدور، وإثارة العداوات بين المسلمين، يقول الله تعالى: (لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً).. دخل رجل على عمر بن عبد العزيز رحمه الله فذكر له عن رجل شيئاً، فقال له عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذباً فأنت من أهل هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) وإن كنت صادقاً فأنت من أهل هذه الآية: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) وإن شئت عفونا عنك؟ فقال: العفو يا أمير المؤمنين! لا أعود إليه أبداً.

أيها الأخوة والأخوات في الله: وينبغي للمسلم إلا يكون كلامه ومنطقه في مثل هذه الأحوال سبباً لطمس الحقائق، وتزوير الوقائع، ونشر الأكاذيب، وتلفيق التهم بدون علم، أو وجه حق، وهذا -والله- هو الإفلاس الذي حذر منه صلى الله عليه وسلم!. فقد يأتي المرء بأعمال صالحة كالجبال، وفجأةً بزلة لسانه وسوء منطقه فيخسر ذلك كله، صح في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أَتَدْرُونَ من الْمُفْلِسُ؟) قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ و لا مَتَاعَ، فَقَالَ: (إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَ صِيَامٍ وَ زَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا‏، ‏وَ قَذَفَ ‏هَذَا، وَ أَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَ ضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ‏ ‏يُقْضَى مَا عَلَيْه، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)

والله عز وجل يقول: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا)

أيها المسلمون: لقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من خطورة اللسان عند الفتن والأزمات إذا تحولت إلى معول هدم، وجعل خطرها كخطر السيف الذي تسفك به الدماء، وتزهق به الأرواح، يقول صلى الله عليه وسلم: (سَتَكُونُ فِتْنَةٌ صَمَّاءُ بَكْمَاءُ عَمْيَاءُ مَنْ أَشْرَفَ لَهَا (أَيْ مَنْ اِطَّلَعَ عَلَيْهَا وَقَرُبَ مِنْهَا) اسْتَشْرَفَتْ لَهُ (أَيْ اِطَّلَعَتْ تِلْكَ الْفِتْنَة عَلَيْهِ وَجَذَبَتْهُ إِلَيْهَا) وَإِشْرَافُ اللِّسَانِ فِيهَا كَوُقُوعِ السَّيْفِ) فلا إله إلا الله! كم أحدث هذا اللسان من فتن! وكم سفكت بسببه من دماء! وكم ظهر بسببه من صراعات! وكم قطعت من أرحام! وكم سلبت بسببه من حقوق وأموال! ولا إله إلا الله! ما أجرأ كثير من الناس على بعضهم البعض بالقيل والقال، والكذب، والغيبة والنميمة، والسخرية والاستهزاء، والوشاية، وتعمد الأذية للآخرين، والسب والقذف، وخاصة عند حدوث المشاكل عندما يزين إبليس هذه الأمور ويجعلها فاكهة المجالس ومادة الزمان ووسيلة للتكسب والربح والشهرة. فأين نحن من قوله عليه الصلاة والسلام: (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ) وقوله صلى الله عليه وسلم: (سِبَابُ الْمُسْلِم فُسُوقٌ وَقِتالُهُ كُفْرٌ) وقوله صلى الله عليه وسلم: (لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لقد وصف الله عز وجل ذوي الإيمان وأرباب التقى بالإعراض عن اللغو، ومجانبة الباطل من القول، فقال عز شأنه: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) وقال: (وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الْجَهِلِينَ)

عباد الله: في اللسان آفتان عظيمتان، إن خلُصَ من أحدهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام، وآفة السكوت؛ وقد يكون كل منهما أعظم إثماً من الأخرى في وقتها؛ فالساكت عن الحق شيطان أخرس، عاص لله، مُراءٍ مداهن إذا لم يكن مضطراً وخاف على نفسه.

والمتكلم بالباطل شيطان ناطق، عاص لله، يجاهر الله بالمعصية، والسعيد من عمل بالحق، وسعى لإرضاء ربه، والله عز وجل يقول: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) وإن من القول السديد أن يستعمل المرء لسانه في التواصي بالحق، وجمع القلوب، وتآلف الأرواح، وتصالح النفوس، ورأب الصدع، والدعوة إلى الأخوة بين المسلمين؛ ما أجمل أن يستعمل المرء لسانه في إزالة البغضاء والشحناء من الصدور! والدعوة إلى التراحم! فما عند الله خيرٌ وأبقى؛ ما أجمل أن يستعمل المرء لسانه في نشر الخير، وبذل المعروف، والتقريب بين وجهات النظر، وإصلاح فساد ذات البين بين المسلمين! وما أجمل أن تلهج ألسنتا بذكر الله وتعظيمه وقراءة كتابه؛ لعل الله أن يرفع عنا البلاء، والمصائب، والفتن، والمحن!

فاللهم إنا نسألك خير القول، وخير العمل، وخير الذكر، وخير الدعاء، اللهم ألِّفْ على الخير قلوبنا، وأَصْلِحْ فسادَ ذات بيننا، وانشر رحمتك على البلاد والعباد يا أرحم الراحمين.

نفعني الله وإيّاكم بالقرآن العظيم، وبهديِ سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلّ ذنبٍ فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد فيا أيها المسلمون: عند وقوع الأحداث، ونزول الفتن وظهور الخلافات يكثر الهرج والمرج، وتنتشر الشائعات والقيل والقال، وتتشعب الآراء ويكثر الكلام بالحق والباطل خاصة في زماننا هذا، ومع وجود وسائل الإعلام ووسائل التواصل والاتصالات والمواصلات والإنترنت، فيدلي كل إنسان بدلوه دون علم أو بصيرة أو تثبُّت ودون مراعاة لمصلحة أو جلب منفعة أهم شيء أن يتكلم ويخوض حتى في الدماء والأعراض ويزين له شيطانه ذلك، والله عز وجل  قد حذر فقال: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً) فللسان عند الفتن أثر خطير في إذكاء نارها، وتمزيق شمل أهلها، فإنه يفري في الناس أشد من فري السيف هامات الرجال، حتى قال ابن عباس رضي الله عنهما: (إنما الفتنة باللسان وليست الفتنة باليد) وقيل: (رب قول يسيل منه دم) … وكم سُفكت من دماء المسلمين، وثارت العداوات بينهم، وقُطعت الأرحام، وشُوهت الحقائق، وأُوغرت القلوب بالبغضاء والشحناء وسوء الظن؛ بسبب اللسان وسوء استخدامه!!  وقد حذر صلى الله عليه وسلم من الاستخدام السيئ للسان ومن الكلام الذي لا ينفع فقال: (إنَّ خيارَ عبادِ الله الذين إذا رُأُوا ذُكِرَ الله، وشِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ المشاؤون بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ) أي الذين يسببون بهذه النميمة التعب والمشقة والمصائب والمحن بين الناس.

عباد الله:  إننا بحاجة إلى من يكون كلامه دواءً، وقوله صدقاً، وتعبيره رحمة وحبًّاً، ونطقه أملاً وتفاؤلاً، وحديثه يجمع القلوب، ويصلح بين النفوس، إننا أحوج ما نكون، وخاصة عند كثرة الفتن، وشدة المحن، واختلاف القلوب، إلى الكلمة الطيبة، التي تجمع ولا تفرّق، تبني ولا تهدم، تنشر التفاؤل والأمل لا اليأس والقنوط، نحتاج إلى الكلمة الصادقة والمخلصة، فتقرّب وجهات النظر وتعصم الدماء، وتحفظ الأموال، وتئد الفتنة في مهدها، وتحفظ البلاد والعباد وينتشر بسببها الأمن والأمان والسلام بين الناس.. يقول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُسْلِمُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ  قَالُوا: فَمَنِ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، قَالُوا: فَمَنِ الْمُهَاجِرُ؟ قَالَ: مَنْ هَجَرَ السُّوءَ فَاجْتَنَبَهُ)

عباد الله: كونوا معاول للبناء في أوطانكم ومجتمعاتكم لا معاول هدم، معاول بناء، بالكلمة الطيبة، والقول الحسن، والعمل الصالح، والأخوة والتعاون والتسامح والتراحم، وأحفظوا جوارحكم عن الحرام، واشغلوا ألسنتكم بطاعة الله، وقراءة القرآن، وكثرة الذكر والدعاء، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، والإصلاح بين الناس، تسعدوا في دنياكم وآخرتكم وتتنزل رحمات ربكم، وتفرج كرباتكم، ويتوحد صفكم، ويكفّ الله بأس عدوكم، وتصلح أحوالكم..

 اللهم طهّر ألسنتنا من الكذب والغيبة والنميمة، وقلوبنا من النفاق والغل والغش، والحسد والكبر والعجب، وأعمالنا من الرياء والسمعة، وبطوننا من الحرام والشبهة، وأعيننا من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور..

اللهم أهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت..  اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتلم بها شعثنا، وتدفع بها الفتن والمحن عنا يا أرحم الراحمين.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، واحم حوزة الدين، ودمر أعدائك أعداء الدين، اللهم اجعل كلمتك هي العليا إلى يوم الدين، اللهم آمنا في وطننا وفي خليجنا واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائرَ بلاد المسلمين، الْلَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أُمُوْرِنَا، الْلَّهُمَّ وفق مَلِكِنَا حَمِدَ بْنَ عِيْسَىْ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ رئيس وزرائه سلمان بن حمد، الْلَّهُمَّ وَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَىَ وَخُذْ بِنَوَاصِيْهِمْ لِلْبَرِّ وَالْتَّقْوَىْ وَسَدِّدْ عَلَىَ طَرِيْقِ الْخَيْرِ خُطَاهُمْ، وَهَيِّئْ لَهُمْ الْبِطَانَةَ الْصَّالِحَةَ الْنَّاصِحَةَ يَا رَبْ الْعَالَمِيْنَ..اللهم كن لأهلنا في فلسطين والأقصى وغزة، كن لهم ناصراً ومؤيداً ومعيناً، اللهم ارحم ضعفهم، وارفع البلاء عنهم، واخذل عدوهم ومن بغى عليهم، اللهم اجبر كسرهم، وأطعم جائعهم، واسقي ظمئهم، واحمل حافيهم، وأكس عاريهم، وداو جرحاهم، وارحم موتاهم، واكتبهم عندك من الشهداء الأبرار، اللهم لا تسلط عليهم من لا يخافك ولا يرحمهم… اللهم ألف بين قلوبهم واجمع كلمتهم ووحد صفوفهم على بغى عليهم.

اللهم أحفظ المسجد الأقصى والمرابطين فيه، مسرى نبيك وحصنه بتحصينك وأكلاه برعايتك وعنايتك واجعله في حرزك وأمانك وضمانك يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، ونفس كروبنا وعاف مبتلانا واشف مرضانا، واشف مرضانا وارحم والدينا، وارحم موتانا وارحم موتانا وشهدائنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الْلَّهُمَّ صَلِّ وَسَلَّمَ وَزِدْ وَبَارِكَ عَلَىَ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ.

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)